
في مرحلةٍ ازدحمت فيها الوجوه، وتسلّق فيها كثيرون الصفوفَ الأمامية مهرولين، متشدّقين بالوطنية وبالولاء للجنوب، بعد أن كانوا في الصف المعارض للحراك الجنوبي—إن لم نقل المعادي لأي شيء اسمه الجنوب—أو حتى لمجرّد الإشارة إلى قضيته. ها هم اليوم يُقدَّمون بوصفهم مناضلين، بل وأكثر إخلاصًا للجنوب، فقط لأنهم وجدوا من يطبّل لهم ويمنحهم الأضواء.
في المقابل، يجري تهميش واستبعاد المناضلين الحقيقيين الأوفياء، أولئك الذين كان لهم الدور البطولي في تأسيس الحراك الجنوبي، وكانوا روّاد الثورة الجنوبية التحررية، متحدّين آلة القمع والقتل والتنكيل لنظام الاحتلال اليمني، ومقدّمين كل ما يملكون في سبيل انتصار قضيتهم الوطنية. والمفارقة المؤلمة أن كثيرًا منهم اليوم مُبعدون، رغم أن عددًا كبيرًا منهم يحملون شهاداتٍ عليا، ولدى آخرين قدرات وخبرات متراكمة إداريًا وسياسيًا.
ومن باب الإنصاف—لا الحصر—نذكر من أبناء المهرة الأستاذ التربوي، المناضل الوفي والمخلص الصادق، الأستاذ/ عبدالله علي سعيد القميري، الحاصل على شهادة الماجستير، وأحد قيادات الحراك الجنوبي منذ انطلاقته. فقد قاد فعاليات الحراك بعد عام 2010م في عاصمة المحافظة الغيضة ومديرية حوف، متنقلًا بينهما بشكلٍ مستمر، وكان بحق الدينمو والمحرك الرئيس لنشاطات الحراك هناك.
للمناضل القميري مواقف بطولية عديدة؛ من أبرزها إفشاله، مع رفاقه، اجتماع حزب الإصلاح في مديرية حوف عام 2010م، برفع أعلام الجنوب وترديد الشعارات الثورية. كما أسهم في إفشال تدشين مخرجات حوار صنعاء في العاصمة الغيضة، حين اقتحم هو ومجموعة من المناضلين فندق تاج بلازا، رافعين أعلام الجنوب ومرددين شعار: «لا تفاوض، لا حوار، نحن أصحاب القرار»، فحوّلوا اللقاء إلى فعالية جنوبية بامتياز.
ومن جانبٍ آخر، نفّذ القميري عددًا من اللقاءات المسائية مع شخصيات اجتماعية في أحياء العاصمة الغيضة، فضلًا عن اجتماعات مع مجموعات من الشباب، دعاهم فيها إلى المشاركة الفاعلة في الحراك الجنوبي. ولا ننسى محاضرته الشهيرة التي ألقاها في ريف مديرية حوف بمنطقة كيزيت عام 2008م، مستغلًا تجمع الأهالي بمناسبة زواج، في رسالة وطنية شجاعة آنذاك.
ولم يتوقف نشاط عبدالله القميري عند هذا الحد؛ إذ حوّل إحدى غرف منزله في حوف إلى معملٍ للأصباغ لرسم أعلام الجنوب، غير مبالٍ بالتهديد والوعيد من قبل رموز نظام الاحتلال. وكان القميري آخر من غادر ساحة الحراك السلمي الجنوبي عند تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي في عام 2017م، حيث أصبح عضوًا في الجمعية الوطنية، ثم جرى استبعاده منها وإحالته إلى مجلس المستشارين.
إنها شهادة للتاريخ، ورسالة تذكير بأن الأوطان لا تُبنى بالتصفيق ولا بالوجوه الطارئة، بل بتضحيات الروّاد الأوفياء الذين يستحقون الإنصاف قبل أي شيء آخر.